الشيخ محمد رضا النعماني
59
شهيد الأمة وشاهدها
فعجبت في بادئ الأمر لذلك ، وأخيراً اتضح لي بأنّ هذه العناية لم يكن مبعثها لأنّه ينتمي لعائلة كريمة الحسب عُرف كثير من أفرادها واشتهر بالعلم والتقى والورع ، أو لأنّه يتيم فقد أباه وهو بعد صغير لم يبلغ الحلم . ولكن عنايته كانت موجهة إليه لأسباب أخرى . فأحببت أن أتعرف أكثر على هذا الطفل سيما وإنني حديث عهد بالعمل في المدرسة المذكورة ، وشاءت الصدف أن انفرد بالسيد المدير فأستوضح منه عمّا كان يشغل تفكيري بشأن هذا الطفل فأجابني : أرجو أن ترعاه كما يرعاه زملاؤك من الهيئة التدريسية فقد سبق وأوصيتهم به خيراً لأنّني أتوسّم فيه أن يكون له مستقبل كبير باعث على التفاخر والاعتزاز بما يقوم به والدرجة العلمية التي أترقب أنّه سيصلها ويبلغها ، فرحت أرقب هذا الطفل عن كثب ، فأقرّبه إليَّ واتحدّث معه كلّما سنحت الفرصة مظهراً إليه حبي وودي اللذين نميا مع الأيام بل الساعات ، فصار محبّاً لي متعلّقاً بي لا يفارقني في الصف أثناء الدرس أو بعده أثناء فترة الاستراحة . وقد كان طفلًا يحمل أحلام الرجال ويتحلّى بوقار الشيوخ ، وجدت فيه نبوغاً عجيباً وذكاءً مفرطاً يدفعانك على الاعتزاز به ويرغمانك على احترامه وتقديره ، كما شاهدت كلّ المدرسين أيضاً يكنّون له هذا الاحترام وهذا التقدير . لقد كان كلّ ما يدرس في هذه المدرسة من كافة العلوم دون مستواه العقلي والفكري ، كان شغوفاً بالقراءة محبّاً لتوسيع دائرة معرفته ساعياً بجهدٍ إلى تنمية مداركه ومواهبه الفذّة . لا تقع عيناه على كتاب إلا وقرأه وفقه ما يحتويه ، في حين يعزّ فهمه على كثير ممن أنهوا المرحلة الثانوية . ما طرق سمعه اسم كتاب في أدب أو علم أو اقتصاد أو تاريخ إلا وسعى إلى طلبه . كان يقرأ كل شيء وقد حدّثني أحد الزملاء ممّن كان لديهم إلمام بالماركسية واطلاع على كثير من الكتب التي كتبت فيها قائلًا لي : لقد جاءني يوماً مُبدياً رغبته في أن يقرأ بعض الكتب